مقالات التاجر

العمل الحر تخصص أم عشوائية؟

بسم الله الرحمن الرحيم

مسألة التخصص أصبحت محلًّا للشد والجذب، فكل ينظر إلى هذه النقطة بشكل مختلف؛ حيث يرى البعض أن الشخص المبدع لا ينبغي أن يحصر نفسه في مجال ضيق، ويقول إن هذا هو تخصصي فقط، ولا يمكنني العمل في مجال آخر، وقد تبنت هذا الرأي العديد من الشركات التي أصبحت تبحث في كثير من الأحيان عن موظف شمولي، كما يمكن أن أصفه، فبعض الشركات (خصوصًا الصغيرة منها) إن احتاجت لمسوِّق إلكتروني على سبيل المثال، فقد تشترط عند بحثها عن الموظف أن يكون مصممًا أيضًا إلى جانب خبرته في مجال التسويق الإلكتروني، كي يقوم بتصميم البانرات والمنشورات التي ستستخدم في الحملات التسويقية بنفسه، بالطبع فإن هناك نظرة مادية في هذا الأمر أيضًا، فالشركات هنا تريد توفير المال، وتقليص عدد الموظفين، وبغض النظر عما إذا كان هذا الأمر إيجابيًّا أم أنه استغلال سلبي، فإنه أصبح واقعًا في أماكن كثيرة.

قد يكون من الجيد أن يمتلك الشخص مهارات متعددة في مجالات مختلفة إلى جانب تخصصه الرئيسي، وهذا أمر حسن دون شك، ولكن هل هذا يعني أن على كل شخص أن يكون محيطًا بأمور كثيرة ومتشعبة في مجالات مختلفة؟! بالطبع لا، فهذا خلاف المنطق!

يبدو أن فكرة الموظف الشمولي قد انتقلت من عالم الأعمال التقليدية إلى عالم العمل الحر، فما دفعني لكتابة هذا المقال هو مشاهدتي لمشروع قام بإضافته أحد الأشخاص في أحد مواقع العمل الحر، حيث يريد صاحب المشروع إنشاء موقع إلكتروني تجاري في مجال معين، وقد ذكر في مشروعه أنه يريد من يعمل له الموقع كاملًا، وقد أعطى مثالًا لموقع مشابه يرغب في اقتباس فكرته مع بعض التغييرات الطفيفة، ويريد من المستقل الذي سينفذ المشروع أن ينجز كل شيء؛ لإخراج الموقع بشكله النهائي، بما في ذلك صياغة الرسائل التلقائية التي تصل للمسجلين في الموقع في حال الاشتراك أو إجراء العمليات المختلفة!

قبل أن أُكمل حديثي أود أن أنوه بأني لا أقصد مهاجمة من قام بإضافة المشروع الذي أتحدث عنه هنا، وإنما الهدف هو مناقشة الأمر وتحليله منطقيًّا، فقد تكون لصاحب المشروع نظرة أخرى، أو أنه لا يعرف كثيرًا تفاصيل العمل في مواقع العمل الحر، وقد قررت الحديث عن هذا الموضوع؛ لأنه يمثل مشكلة شائعة، وهي ليست حصرًا على المشروع الذي أتحدث عنه هنا.

العمل-الحر-تخصص-أم-عشوائية

لنحلل الأمر قليلًا، صاحب المشروع يرغب  في الحصول على التالي:

–  برمجة كاملة للموقع.

–  تصميم القالب الخاص بالموقع.

–  كتابة المحتوى للموقع كاملًا.

–  إعداد النصوص الخاصة برسائل البريد الإلكتروني التلقائية.

وقد تكون هناك جوانب أخرى أيضًا؛ حيث إن صاحب المشروع لم يخصص كثيرًا، فما يريده هو إنشاء الموقع كاملًا من الصفر؛ ليكون مشابها للمثال الذي ذكره في مشروعه.

يمكن القول إن الشخص المطلوب هنا ينبغي أن يكون مبرمجًا، مصممًا، كاتبًا، وخبيرًا في المجال التسويقي أيضًا، فهل من المعقول أن تجتمع كل هذه الصفات في شخص واحد؟

عند الحديث عن العمل الحر فإنه ينبغي أن نعرف أن هذا المجال مخصص للأفراد الذين يعملون لحسابهم الخاص وليس لشركات تجارية، بل إنه وحتى عند البحث عن شركة تجارية لإنجاز العمل، فإنك قد لا تجد شركة واحدة لتنجز كل المهام التي ذكرت بالأعلى، فكثير من الشركات تؤمن بالتخصص وترى أنه الطريق الصحيح لإنجاز عمل متقَن.

إذًا كيف يجب أن تسير الأمور في مواقع العمل الحر، خصوصًا عند الحديث عن المشاريع الكبيرة التي تتطلب جوانب متعددة؟

التخطيط للمشروع ودراسة جوانبه المختلفة هما الخطوة الأولى للعمل، فلا يمكن إنشاء أي مشروع حقيقي يريد صاحبه أن يوصله للنجاح دون عمل دراسة متكاملة لكل الجوانب، وسيتضح من خلال الدراسة كل الأمور التقنية والفنية والإدارية التي سيحتاجها المشروع من أجل أن يرى النور.

بالعودة للمشروع الذي تحدثنا عنه بالأعلى، فإنه ومن خلال الدراسة ستتضح التخصصات التي نحتاجها لإنشاء الموقع (هنا نقصد ما يتعلق بعمل الموقع فقط وليس الدراسة الكلية للمشروع)، وهناك العديد من الجوانب التي ينبغي أن يفكر فيها صاحب المشروع، فالجوانب البرمجية ينبغي أن ينجزها مبرمج أو عدد من المبرمجين، والتصميم يجب أن يوكَل إلى أشخاص آخرين، وهكذا بالنسبة لكتابة المحتوى والجوانب الإدارية وغيرها.

المطلوب أن يتم كل ذلك بشكل تكاملي، أي ألا يعمل كل طرف بمعزل عن الآخرين، وهنا يأتي دور صاحب المشروع الذي عليه أن يعمل كحلقة وصل بين جميع الأطراف، فعليه مثلًا أن يتأكد من أن العمل البرمجي قد أنجز بشكل سهل الفهم ويمكن للمصمم التعامل معه دون مشاكل، وهكذا بالنسبة للجوانب الأخرى.

ولكي يتم إنجاز ذلك في عالم العمل الحر، فإن على صاحب المشروع، وبعد فهم طبيعة مشروعه واحتياجاته بشكل كامل، أن يقسم العمل إلى عدد من المشاريع الصغيرة، ويسند كل جزئية منها إلى مستقل متخصص في تلك الجزئية تحديدًا، وبذلك يحصل على مشروع متكامل في جميع جوانبه.

العمل-الحر-تخصص-أم-عشوائية1

تقسيم المشروع لا يهدف فقط إلى إعطاء كل جزئية لشخص متخصص من أجل الخروج بعمل احترافي فقط؛ بل إن ذلك يساعد أيضًا في اختصار الوقت اللازم للعمل، ولهذا فإنه وحسب حجم المشروع، فإن التقسيم قد يكون بطرق أخرى أيضًا، كأن يتم تقسيم العمل البرمجي نفسه إلى مشاريع متعددة، وتوزع على مجموعة من المبرمجين، وكذلك الأمر بالنسبة للجوانب الأخرى، وهذا سيساعد كثيرًا في الحصول على العديد من الأفكار من أشخاص مختلفين، التي من شأنها تطوير المشروع نحو الأفضل، هذا بالإضافة أيضًا إلى توفير الكثير من الوقت وإنهاء المشروع سريعًا.

التقسيم لا ينبغي أن يستخدم بشكل مفرط، فبعض المشاريع لا يستدعي حجمها وجود تقسيم كهذا، خاصة إذا ما كانت متخصصة في جانب معين فقط، وقد يتسبب تقسيمها في نتائج سلبية بدلًا من أن تكون له فائدة، كما أنه ينبغي أيضًا تجنب تقسيم المشاريع الكبيرة بشكل مفرط، مما يفقد التقسيم أهميته، وتكون إدارة المشروع بجوانبه المختلفة أمرًا صعبًا لصاحبه.

ينبغي أيضًا أن يتم التعامل مع التقسيم بقليل من الحذر، فاختيار المستقلين المناسبين له أهمية كبيرة جدًّا، فلو قمت باختيار مبرمج محترف ليعمل لك نظامًا متكاملًا ومحكَمًا، بينما وقع اختيارك على مصمم سيئ، فإن النتيجة النهائية لن تكون جيدة دون شك، ولهذا فإن عليك أن تختار مستقلين بمستوى واحد نسبيًّا من الاحترافية كلٌّ في مجاله؛ لتجنب ذلك.

الوسوم

Mohammad Alzayer

مؤسس ومدير مدونة تطوير الأعمال الإلكترونية. حاصل على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال مسار نظم المعلومات الإدارية من جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، ودرجة الماجستير في إدارة سلسلة التوريد من Dublin Institute of Technology, National Institute for Transport and Logistics - دبلن - جمهورية إيرلندا.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. قد يكون من الجيد أن يمتلك الشخص مهارات متعددة في مجالات مختلفة إلى جانب تخصصه الرئيسي، وهذا أمر حسن دون شك، ولكن هل هذا يعني أن على كل شخص أن يكون محيطًا بأمور كثيرة ومتشعبة في مجالات مختلفة؟! بالطبع لا، فهذا خلاف المنطق!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق